منذ أن بدأ الإنسان يحلم، بدأ يفسّر. وهذه ليست جملة شاعرية، بل ملاحظة أنثروبولوجية دقيقة. لا توجد حضارة معروفة تعاملت مع الحلم بوصفه ضجيجًا عصبيًا محضًا. حتى أكثر الثقافات بدائية افترضت أن ما يحدث أثناء النوم يستحق الإصغاء. السؤال لم يكن: هل للحلم معنى؟ بل: من يملك حق تفسيره؟ وبأي منهج؟
تاريخ تفسير الأحلام هو في الحقيقة تاريخ صراع على المعنى: بين الإلهي والبشري، بين الرمز والعدد، بين الكاهن والعالم، بين المفسّر والخوارزمية.
من بابل إلى يوسف: الحلم كخارطة سياسية واقتصادية
في مصر الفرعونية، عُثر على ما يُعرف اليوم بـ«كتب الأحلام»، وهي نصوص تصنّف الرؤى تصنيفًا شبه منهجي: حلم جيد، حلم سيئ، حلم يحتاج طقسًا. اللافت أن التفسير لم يكن يعتمد على المشاعر الذاتية للحالم، بل على قاموس رمزي ثابت. الماء خير، الفيضان خطر، الأسنان موت، الطيران سلطة. نحن هنا أمام أول محاولة لتحويل الحلم إلى نظام قابل للتداول.
في بلاد الرافدين، تعمّق هذا المنحى. البابليون لم يكتفوا بتفسير الأحلام، بل ربطوها بحركة السماء. هنا بدأ الربط المبكر بين الرؤيا والنجوم. الحلم لا يُفهم وحده، بل ضمن سياق كوني أوسع. الإنسان ليس مركز الحدث، بل عقدة في شبكة إشارات. ثم نصل إلى لحظة مفصلية: حلم يوسف. ليس لأنه حلم، بل لأن النص القرآني قدّم نموذجًا منهجيًا مختلفًا. يوسف لا يفسّر الرموز وحدها، بل السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي. سبع بقرات ليست بقرات. سبع سنابل ليست زراعة. الحلم هنا قراءة مستقبلية مبنية على فهم الواقع.
المناهج الإسلامية واليونانية: بين العقل والقلب
في التراث الإسلامي، تطورت مناهج تفسير الأحلام في اتجاهين متوازيين. الاتجاه الأول فقهي-لغوي، يركّز على اللغة، القرآن، الحديث، والعادات. والاتجاه الثاني صوفي-باطني، يرى في الحلم كشفًا وتجربة روحية. وهنا يظهر أول انقسام حاد: هل الحلم يُفهم بالعقل؟ أم يُذَاق بالقلب؟ أما في اليونان القديمة، فقد ظهر مسار ثالث عبر أرتيميدوروس، الذي كتب أحد أوسع كتب التفسير معتمدًا على التجربة والملاحظة، لا الوحي.
عودة الحلم: من "مكبوت" فرويد إلى "خوارزمية" الذكاء الاصطناعي
فرويد لم يعِد للحلم قدسيته، بل أعاد له أهميته كرسالة من اللاوعي. ثم جاء يونغ ليعتبر الرمز جسراً بين الفرد واللاوعي الجمعي. واليوم، ندخل مرحلة جديدة: الذكاء الاصطناعي يفسّر الأحلام. الخوارزميات لا ترى رمزًا ولا تشعر بخوف، لكنها تحلّل الأنماط والبيانات. وهنا نسأل: حين تفسّر الخوارزمية حلمك، هل تفهمك؟ أم تضعك في فئة؟
تساؤلات نهائية: لماذا نفسّر؟
من الفراعنة إلى اليوم، تغيّرت الأدوات، لكن الحاجة لم تختفِ. وهنا السؤال الذي لا يريد أحد طرحه بجدية: هل نحتاج فعلًا إلى تفسير أحلامنا؟ أم أننا نمارس طقسًا ثقافيًا لتخفيف القلق؟ ربما التفسير ليس معرفة، بل تفاوض مع المجهول. الخطر ليس في تفسير الأحلام، ولا في تركها، بل في الاعتقاد أن هناك منهجًا واحدًا، نهائيًا، معصومًا.