"قبل أن نبحث في الأرقام والبروج، يجب أن نبحث في 'الدموع'. نعم، الدموع التي ذرفها الإنسان الأول وهو يرى الشمس تغيب، ظناً منه أنها لن تعود أبداً. في هذا الفصل، نعود إلى اللحظة صفر، حيث كانت السماء هي الإله، والنجوم هي عيون الغيب التي تراقبه."
1.1 لغز القبة الزرقاء: الرهبة تسبق المعرفة
لست أدري، ولعل القارئ لا يدري معي، كيف كانت تلك الليلة الأولى التي قرر فيها "الإنسان الجامع" (Hunter-Gatherer) أن يتوقف عن النظر إلى موضع قدميه، ليرفع بصره إلى الأعلى. إنها لحظة **الدهشة الكبرى**. في تلك العصور السحيقة، لم يكن هناك ضجيج مدن ولا تلوث ضوئي؛ كانت السماء تبدو كغابة من المصابيح المتلألئة التي تكاد تلمس رؤوس الجبال.
لقد وجد الإنسان نفسه أمام تساؤل وجودي: هل هذه النقاط المضيئة عشوائية؟ أم أنها تراقبنا؟ إن التنجيم، في أصله الأعمق، لم يولد كعلم، بل ولد كـ **آلية دفاعية** ضد الشعور بالضياع في هذا الكون الفسيح.
"السماء كانت الكتاب الأول الذي قرأه الإنسان قبل أن يخترع الأبجدية."
1.2 تقديس الأفلاك: عندما أصبحت السماء معبداً
تدريجياً، لاحظ الإنسان أن هناك "نظاماً" في هذه الفوضى المضيئة. فالقمر يكبر ويصغر في دورات ثابتة، والنجوم تشرق وتغرب بانتظام مذهل. هذا الانتظام منح الإنسان أول شعور بـ **الأمان الاستراتيجي**. إذا كانت السماء منظمة، فربما حياتنا أيضاً لها نظام!
هنا تحولت النجوم من "أجسام ضوئية" إلى "كيانات حية". اعتقد الإنسان أن الآلهة تسكن هناك، وأن حركة كوكب الزهرة أو المريخ ليست إلا رسائل مشفرة تخبرنا عن حالة الطقس، أو وفرة الصيد، أو غضب الطبيعة القادم.
التحول من الخوف إلى التقديس
1.3 النداء الخفي: البحث عن "الأنا" في الأعلى
لماذا لم يكتفِ الإنسان بعبادة الشمس والقمر؟ لماذا تتبع النجوم البعيدة؟ الإجابة تكمن في **النداء الخفي**. هناك رغبة دفينة في النفس البشرية لربط مصيرها بشيء "أبدي". نحن زائلون، لكن النجوم باقية. وبناءً عليه، فإن ربط لحظة ميلادنا بموقع نجم معين هو محاولة لا واعية لاكتساب صفة "الخلود" أو "الأهمية الكونية".
لقد آمن أسلافنا أن "ما في الأعلى هو ما في الأسفل" (As above, so below)، وهي القاعدة الذهبية التي ستقوم عليها لاحقاً كل فلسفات التنجيم عبر العصور.
📌 ملاحظة تاريخية: وجد علماء الآثار عظاماً محفورة تعود لـ 30 ألف عام، تحتوي على علامات تمثل أطوار القمر. هذا يعني أن الإنسان بدأ "التنجيم" قبل أن يبني أول مدينة في التاريخ!
أيها الإخوة والأخوات، قسم التعليقات في هذه المدونة غير مخصص لتفسير الأحلام، بل هو مخصص فقط لتقييم جودة المحتوى، تدوين ملاحظتكم التي نعيرها اهتماما بالغا، إسداء نصائحكم لنا بشأن تطوير الموقع.