نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما تسمح لنا أدمغتنا أن نراه. هذه ليست جملة شعرية ولا استفزازًا فلسفيًا، بل خلاصة علمية باتت اليوم شبه بديهية في علوم الإدراك العصبي. ما نسمّيه “الواقع” ليس سوى تجربة داخلية ناتجة عن معالجة كهربائية-كيميائية للإشارات. الضوء لا يدخل إلى وعينا، الصوت لا يصل إلى وعينا، حتى الألم لا يُدرَك إلا بعد أن يُعاد تركيبه داخل الدماغ. نحن لا نعيش في العالم، بل نعيش في نسخة دماغية منه.
الحلم، في أبسط تعريفاته العصبية الحديثة، ليس حالة فوضى، بل نشاط دماغي منظم، شديد القرب من حالة اليقظة. الدماغ في الحلم لا “يتوقف”، بل يعمل بلا قيود حسية خارجية. لا صوت حقيقي، لا ضوء، لا مدخلات، ومع ذلك نرى ونسمع ونخاف ونفرح. أي أن التجربة كاملة تُصنَع من الداخل. وهنا تبرز الفكرة الخطيرة: إذا كان الدماغ قادرًا على توليد عالم كامل، متماسك، مقنع، دون أي واقع خارجي… فما الذي يجعل عالم اليقظة مختلفًا جوهريًا؟ العلم لا يجيب إجابة مريحة.
الدماغ التنبؤي: هل الواقع "تخمين" بارع؟
في السنوات الأخيرة، ظهرت نظريات معرفية تعتبر الوعي ليس نافذة على الواقع، بل محاكاة تنبؤية. من أبرزها نظرية الدماغ التنبؤي (Predictive Processing)، التي ترى أن الدماغ لا ينتظر المعلومات الحسية، بل يتوقعها، ثم يصحّح توقعاته إن لزم. نحن لا نرى ما هو موجود، بل نرى ما يتوقع الدماغ وجوده. بعبارة أبسط وأكثر إزعاجًا: الدماغ يخمّن الواقع باستمرار، وما نعيشه هو أفضل تخمين متاح. أليس هذا… تعريفًا قريبًا جدًا من الحلم؟
هنا يصبح الربط بين الأحلام ونظرية “وهم الوجود” أكثر من مجرد تشابه لغوي. فالنظرية التي تقول إن الواقع ليس سوى بناء ذهني، أو “برنامج” داخل الوعي، لم تعد حكرًا على الفلاسفة أو كتاب الخيال العلمي. علماء مثل دونالد هوفمان يذهبون أبعد، ويقترحون أن التطور لم يصمّم وعينا ليرى الحقيقة، بل ليبقى حيًا. الحقيقة، إن وُجدت، قد تكون معقّدة إلى حد أن رؤيتها مباشرة ستكون مدمّرة. وفق هذا التصور، ما نراه ليس الواقع، بل واجهة استخدام. تمامًا كأيقونات الهاتف: لا تمثل ما يحدث داخل الجهاز، لكنها تسمح لك بالتفاعل معه. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان الوعي واجهة… فهل الحلم خلل في النظام؟ أم نافذة جانبية؟
مختبر الفلسفة المرعب: معيار الحقيقة والاتساق
في الحلم، تنهار قوانين الفيزياء، يتشوّه الزمن، تختلط الوجوه، ومع ذلك لا نشك بشيء. نحن نعيش الحلم بجدّية تامة. لا نسأل: هل هذا منطقي؟ وهذا بالضبط ما نفعله في اليقظة، لكن بقوانين أكثر ثباتًا. الفارق، إذن، ليس في طبيعة التجربة، بل في درجة استقرار القواعد. وهنا تصبح الأحلام مختبرًا فلسفيًا مرعبًا: إذا كان الوعي يقبل أي واقع طالما كان متماسكًا داخليًا، فهل معيار “الحقيقة” هو الاتساق فقط؟
أين يقف الحلم في كل هذا؟ الحلم ليس رسالة غيبية بالضرورة، لكنه دليل تجريبي على شيء أخطر: أن الوعي لا يحتاج إلى واقع خارجي ليكون مقنعًا. وهذا ما يجعل تفسير الأحلام أكثر من مجرد تأويل رموز. إنه اقتراب من سؤال: كيف يُصنَع الواقع داخلنا؟ حين نفسّر حلمًا، نحن لا نفسّر “شيئًا حدث”، بل نحلّل طريقة بناء العقل للعالم. الخوف في الحلم خوف حقيقي. الفرح حقيقي. الألم حقيقي. كل شيء حقيقي… ما دام يُعاش. وهنا تنهار الفكرة الساذجة عن “الوهم” بوصفه نقيض الحقيقة. الوهم ليس كذبًا، بل تجربة بلا مرجع خارجي. لكن… هل يحتاج كل شيء إلى مرجع خارجي ليكون ذا معنى؟
الاستنتاج الوجودي: هشاشة اليقين الإنساني
دينيًا، هذه الأسئلة خطرة، لكنها ليست جديدة. الفارق أن الدين يضع حدًا: هناك واقع أعلى، حقيقة مطلقة، حتى لو لم ندركها. العلم، على عكس ذلك، يترك الباب مفتوحًا، وأحيانًا بلا سقف. وهذا ما يجعل الإنسان المعاصر أكثر قلقًا من أسلافه، لا أقل. نحن اليوم نعرف أكثر، لكننا نثق أقل. نقيس كل شيء، لكننا نشك في كل شيء. والحلم، بدل أن يكون ظاهرة هامشية، أصبح مرآة مكبّرة لهشاشة اليقين.
ربما لا نعيش في “برنامج” بالمعنى الحرفي، وربما لا يكون الوجود وهمًا كاملًا. لكن المؤكد أن ما نعيشه هو نسخة مؤوّلة من شيء أعمق. الأحلام تذكّرنا بذلك كل ليلة، ثم ننسى عند الاستيقاظ، لأن النسيان شرط الاستمرار. والسؤال الذي يظل معلّقًا، بلا إجابة نهائية: إذا كان الوعي قادرًا على خلق عوالم، فهل مهم أن نعرف إن كان هذا العالم حقيقيًا… أم أن الأهم هو كيف نعيشه؟