من الخطأ المنهجي التعامل مع تفسير الأحلام وعلم الأبراج بوصفهما “ظاهرتين هامشيتين” أو “بقايا خرافية” نجت مصادفة من مقصلة العقل الحديث. هذا الحكم المسبق، رغم شيوعه، يقول الكثير عن توتر الإنسان المعاصر مع كل ما لا يمكن قياسه أو ضبطه أو تحويله إلى معادلة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تفسير الأحلام أو الأبراج صحيحة؟ بل: لماذا وُجدت أصلًا؟ ولماذا استمرّت؟ ولماذا تعود بأشكال جديدة كلما ظننا أننا تجاوزناها؟
إن أي ظاهرة فكرية تستمر آلاف السنين، وتظهر في ثقافات متباعدة جغرافيًا وزمنيًا، لا يمكن اختزالها في “سذاجة بشرية”. هذا الاختزال نفسه سذاجة من نوع آخر، لأنه يتجاهل أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا خالصًا، بل كائن يبحث عن المعنى قبل الحقيقة، وعن الطمأنينة قبل الدقة.
الجذور المعرفية: الكون ككيان حي مشحون بالإشارات
إذا عدنا إلى الجذور الأولى، نجد أن تفسير الأحلام وعلم الفلك نشآ في بيئة معرفية لم تكن تعرف الفصل بين العلم والدين والفلسفة. في الحضارات القديمة، لم يكن الكون موضوع دراسة محايدة، بل كيانًا حيًا، مشحونًا بالإشارات. السماء لم تكن فضاءً صامتًا، بل نصًا مفتوحًا، والحلم لم يكن نشاطًا عصبيًا، بل حدثًا معرفيًا. من هنا نفهم لماذا كان الكاهن فلكيًا، ولماذا كان المفسّر عالمًا باللغة والطقوس معًا.
في بابل، على سبيل المثال، كانت حركة الكواكب تُسجّل بدقة مذهلة، لا بدافع الفضول العلمي فقط، بل لأن السماء كانت تُقرأ بوصفها مرآة للنظام الأرضي. لم يكن السؤال: ماذا يحدث في السماء؟ بل: ماذا يعني ما يحدث في السماء لنا؟ هذا السؤال “المعنوي” هو ما فقده العلم الحديث عمدًا، وربما اضطر الإنسان لاحقًا للبحث عنه في أماكن غير أكاديمية.
حميمية الحلم والمنهج الديني: توازن الإشارة والوهم
أما تفسير الأحلام، فقد احتل موقعًا أكثر حميمية. فالحلم تجربة فردية، لكنها محمّلة بإحساس كوني. الشخص يرى حلمه وحده، لكنه يشعر أنه ليس وحده داخله. هذا التناقض هو ما جعل الحلم مادة خصبة للتأويل. في النصوص الدينية، لا يأتي الحلم بوصفه عبثًا. حلم يوسف، حلم ملك مصر، رؤى الأنبياء… كلها تؤكد فكرة واحدة: أن هناك معرفة لا تأتي عبر اليقظة وحدها.
لكن الإسلام، على وجه الخصوص، تعامل مع الأحلام بحذر منهجي لافت. فهو يعترف بها، لكنه يقيّدها. لا يمنحها سلطة تشريعية، ولا يجعلها مصدرًا للحقيقة المطلقة. وهذا التوازن يكشف فهمًا عميقًا لطبيعة النفس البشرية: الحاجة إلى الإشارة، مع الخوف من الانزلاق إلى الوهم. لذلك شدّد العلماء المسلمون على أن تفسير الحلم يتغير بتغير الشخص والسياق والزمن، وهو ما يجعل من “التفسير الجاهز” خيانة للمنهج نفسه.
السؤال الجدلي: لماذا الرفض العلمي؟
الجواب لا يكمن في الأحلام، بل في تعريف العلم لنفسه. منذ القرن السابع عشر، اختار العلم أن يحصر نفسه فيما يمكن قياسه وتكراره والتحقق منه تجريبيًا. هذا الخيار كان ضروريًا لنجاحه، لكنه لم يكن بريئًا فلسفيًا. فبمجرد أن قرر العلم أن ما لا يُقاس لا يُناقش، تم نفي مساحات كاملة من التجربة الإنسانية خارج المجال المعرفي “الشرعي”.
الأبراج كمرآة لغوية: من الحتمية الكونية إلى التحليل النفسي
ينطبق الأمر نفسه، بل بشكل أوضح، على علم الأبراج. من الناحية العلمية الصارمة، لا يوجد أي دليل يثبت أن حركة الكواكب تؤثر في الشخصية أو المصير. هذا صحيح. لكن الاكتفاء بهذا الحكم يُفوّت السؤال الأهم: لماذا يشعر الناس بأن الأبراج “تصيب” أحيانًا؟ ولماذا يجدون فيها معنى؟
التحليل النفسي يقدّم مدخلًا مهمًا هنا. فالأبراج، مثل الأحلام، تعمل كأدوات إسقاط. القارئ لا يقرأ البرج بوصفه تقريرًا علميًا، بل بوصفه مرآة لغوية. هو يلتقط ما يشبهه، ويتجاهل ما لا يشبهه. هذه الآلية لا تختلف كثيرًا عن آلية العلاج بالكلام، أو حتى عن قراءة الأدب. الفرق الوحيد أن الأبراج تدّعي، أو يُدّعى لها، اتصالًا بالسماء، وهو ما يجعلها أكثر إثارة وجدلية.
كارل يونغ لم يكن منجّمًا، لكنه لم يسخر من التنجيم. كان يرى فيه نظامًا رمزيًا يعكس أنماطًا نفسية متكررة. المشكلة، في رأيه، ليست في الرمز، بل في إساءة استخدامه. حين يتحول الرمز إلى حتمية، يصبح سجنًا. وحين يُستخدم بوصفه لغة، يصبح أداة فهم.
القلق الوجودي وسلطة المفسر: الحاجة إلى الانتظام
المجتمعات الحديثة، رغم علمانيتها، تعيش قلقًا وجوديًا عميقًا. المستقبل غير مضمون، المعنى متشظٍ، والهويات في حالة سيولة. في مثل هذا السياق، يعود الإنسان إلى أي نظام يمنحه شعورًا بالانتظام. الأبراج تقول له: شخصيتك ليست فوضى. الأحلام تقول له: داخلك يتكلم. كلاهما يمنحان لغة في عالم صامت.
الدين، في جوهره، لا يعارض هذا البحث عن المعنى. ما يعارضه هو ادعاء الغيب، وسلب حرية الإنسان، وتحويل الرمز إلى قدر محتوم. المشكلة ليست في السؤال، بل في من يحتكره. حين يتحول المفسّر أو المنجّم إلى سلطة، يفقد الدين والعقل معًا.
خاتمة: التكامل بين النفس والرمز
في النهاية، لا يمكن الدفاع عن تفسير الأحلام أو الأبراج بوصفهما علومًا دقيقة، كما لا يمكن نفيهما بوصفهما تفاهات. هما يقعان في منطقة وسطى، منطقة حرجة، بين العلم والفلسفة، بين النفس والرمز. وسيبقى الإنسان، مهما تقدم، يعود إليهما، ليس لأنه لم يفهم العالم، بل لأنه فهم أن العالم وحده لا يكفي.