الأحلام بين العلم القديم والحديث والعقيدة

كثير من الأطباء و علماء  النفس و التحليل النفسي في العصر الحديث يرفضون كتب تفسير الأحلام القديمة . لأن هذه الكتب تقول: إن الرؤى المنامية و الأحلام الصادقة ومضات قدسية من عند الله - تشير إلى الأزمنة كلها الماضي و الحاضر و المستقبل بما يوجه الإنسان ويفيده في حياته.
وهم يقولون : إن الأحلام أيا كان نوعها و مصدرها لا تشير إلى المستقبل أبدا فهي نشاط نفسي يصدر عن النائم على هيئة  صور ذهنية وخيالات جذورها منبثقة من حوادث الماضي ورغبات الحاضر. نستطيع من خلالها أن نستدل على سعادة الحالم أو شقائه في حاضره ، كما يستطيع الطبيب أن يستدل منها على صحة الحالم أو مرضه وقت حلمه. كما يمكن أن نتعرف منها  على رغبات الحالم وتمنياته الخفية التي كبتها وسجنها الشعور و العقل الواعي  في أعماق نفسه لعدم ملائمتها للظهور في المجتمع و التي لم يستطع الحالم أن يحققها في اليقظة . فيقوم الحلم بتحقيقه لها في النوم كإرضاء و إشباع نفسي له و كتعويض عما لم يستطع تحقيقه  في الشعور و أثناء اليقظة ، كما تستطيع أن تعرف منها ذكريات ماضيه و حوادثه السابقة...وأخيرا فهي تنفيس لما يحتبس في نفس الحالم من شحنات و انطباعات اليقظة  التي اختزنها العمل الباطن لا إراديا . و على هذا الأساس فليس في الأحلام إلهام أو حكمة أو علم أو إشارة إلى المستقبل أبدا.
و نحن نؤيد الكتب القديمة في تفسير الأحلام لصدق فراستها و قوة حدسها ولا استدلالها بما جاء في الكتب المقدسة عن الرؤى المنامية  و الأحلام التاريخية التي أشارت إلى المستقبل... وتحققت فعلا للأنبياء و الصالحين و غيرهم من الناس في كل بلاد العالم حتى هذا اليوم و في الوقت نفسه لا نرفض رأي الأطباء و علماء النفس و علماء التحليل النفسي كله، ولا نسلم به كله . فكل النظريات التي جمعوها و حشدوها عن الأحلام تمثل جزءا أو قسما واحدا منها تندرج تحت قسم حديث النفس الذي أشار إليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حديثه الشريف إذ يقول :[ الرؤيا ثلاثة : فرؤيا بشرى من الله تعالى . ورؤيا من الشيطان ورؤيا يحدث بها الإنسان نفسه فيراها] أي أن الرؤيا المنامية على ثلاثة أنواع وليست نوعا واحدا كما يقول علماء النفس و الأطباء.
فالرؤيا البشرى : وهي الرؤيا الصالحة الصادقة و مصدرها الله سبحانه و تعالى و تأتي لأي إنسان في أي مكان منبهة لعواقب الأمور. مشيرة إلى بشرى أو إنذار أو تحذير أو توجيه في مستقبله وتصح و تتحقق.
و رؤيا الشيطان:  ومصدرها الشيطان و هي أحلام الأضغاث و الهلوسة لا تصح و لا تتحقق.
و رؤيا حديث النفس : و مصدرها النفس بمراتبها الثلاث النفس المطمئنة أو الذات العليا و النفس اللوامة أو الذات و النفس الأمارة بالسوء وهي الذات الدنيا أو الذات الدون و مادتها المشاهدات اليومية و انطباعات النهار واهتمامات اليقظة و حوادث الماضي . ومن رغبات ومخاوف وذكريات يحدث بها الإنسان نفسه في يقظته فيراها في نومه بشكل أو بآخر على هيئة ألفاظ وصور و أشياء ملتوية معقدة مموهة على قدر إلتواء وصعوبة و تمويه الرغبة أو الحادث أو الذكرى مشيرة إلى حاضر الحالم أو ماضيه في يقظته و قد يصح بعضها و يجوز تأويلها.
أما قصر الأحلام و الرؤى على نوع واحد وهو حديث النفس فقط كما يقول علماء النفس و الأطباء و علماء التحليل النفسي فهو ما يرفضه الواقع  و ترفضه الكتب المقدسة وترفضه كتب تفسير الأحلام القديمة و يرفضه علماء التأويل في الحضارة الشرقية القديمة و الحديثة.

ونحب أن نوضح الآتي :

أولا: إن الأحلام ظاهرة  إنسانية قديمة قدم الزمان و الإنسان، تحدث و تتكرر كل يوم . وقد علل علماء النفس بعض مصادرها مما شاهدته أعينهم  وما وقع تحت حسهم و تفكيرهم ولكنهم لم يستطيعوا تحليل روحانيتها كما لم يستطيعوا تعليل كثير من الظواهر الإنسانية الأخرى مثل الحسد و السحر التي أكدتها الكتب السماوية و الأديان. وكذا ظواهر التنويم المغناطيسي و الروحانيات. و قد أثبتوا بذلك أن العلم لا يستطيع أن يعلل كل شيء في هذا الوجود فهناك مئات من الظواهر و الأشياء الغامضة قد تركت لأنها لم تجد لديهم أي تفسير ولا تعليل.
ثانيا : إن الأحلام مخلوقة من مخلوقات الله تعالى . و أن الله سبحانه جل شأنه لم يخلق شيئا عبثا. فالأحلام لها رسالة ... ورسالتها من الله تعالى . فكانت للأنبياء وحيا وبقيت من بعدهم للناس توجيها و بشرى، يقول الله جل من قائل [ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم] و البشرى في الحياة هي الرؤيا الصالحة كما فسرها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله [ ذهبت النبوات و بقيت المبشرات] قيل : يا رسول الله ماهي المبشرات ؟ قال [ الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ] و قال صلى الله عليه وسلم: [من لم يؤمن بالرؤيا الصالحة لم يؤمن بالله و اليوم الآخر]
ثالثا: إن قصص الرجال و النساء الذين أفادوا البشرية بأحلامهم تملأ صفحات عديدة . فكثير من الاختراعات و الابتكارات في مختلف بلاد العالم كان مصدرها الأحلام و الرؤى المنامية . ونحن نتمتع اليوم في الحياة بما كان غيرنا يحلم بتحقيقه منذ سنين عديدة مضت .
ونحن إذا كنا نهزأ بالأحلام فالسبب في ذلك أننا نعجز عن فهمها و تفسيرها تفسيرا صحيحا و لسبب أننا لا نقبل بسهولة ما لا تشاهده أعيننا و ما لا يقع تحت حسنا.
إن الأحلام و الرؤى الغيبية مصدر من مصادر العلم و المعرفة و الإلهام و الأمل و التفاؤل و أن عالم الأحلام متمم لعالم الحقيقة و أننا في حياتنا دائما نحتاج إلى الأحلام و الحقائق بحثا عن سعادتنا .
ولا بد لنا من أن نستفيد من الأحلام الطيبة و نتجاهل السيئة كما أوصى بذلك رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في قوله لعائشة رضي الله عنها حينما فسرت رؤيا منامية لامرأة عربية تنبئ بموت زوجها . [ مه يا عائشة-أي اسكتي يا عائشة . إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعتبرونها على خير فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها معبرها ].
و يقول بعض العلماء ومع هذا فإن الأحلام التي نسميها سيئة قد تساعد على توجيه حياتنا و تقويمها .
جارٍ التحميل...